أبو علي سينا
292
القانون في الطب ( طبع بيروت )
المزاج من رطبه ويابسه قد بلغ بلغاً تعجز النارية عن التفريق بينهما ، وإذا سيّلت النارية المائية لتصعدها ، تشبث بجميع أجزائها أجزاء الأرضية ، فلم تقدر على تصعيدها وإرساب الأرضية ، كما تقدم على مثله في الخشب ، بل في الرصاص ، والآنك . فإذا كان من المزاج ما استحكامه هذا الاستحكام ، فلا يبعد أن يكون من المزاج ما تعجز الحرارة الغريزية التي فينا عن تفريق بسائطه ، وما كان هكذا فهو المزاج الموثق ، فإن كان معتدلًا بقي في جميع البدن إلى أن يحيل صورته ويعيده معتدلًا ، وما كان مائلًا إلى غلبة بقي في البدن على غَلَبَتِهِ إلى أن تفسد صورته . وبالجملة إنما يصدر عنه فعل واحد . وأما إذا لم يكن المزاج موثقاً بل رخواً سلساً إلى الانفصال ، فقد يجوز أن تفترق بسائطه عند فعل طبيعتنا فيه ويتزايل بعضها عن بعض وتكون مختلفة القوى ، فيفعل بعضها فعلًا ، ويفعل الآخر ضده ، فإذا قال الأطباء إن دواء كذا قوته مركَبة من قوى متضادة ، فلا يجب أن يفهموا هم أنفسهم وأنت عنهم ، أن جزءاً واحداً يحمل حرارة وبرودة ، بفعل كل واحد منهما بانفراده كالمتميزين ، فإن ذلك لا يمكن ، بل هما في جزأين منه مختلفين هو مركب منهما . وأيضاً لا يجب أن نظن أن غير ذلك الجنس من الأدوية ليس مركباً من قوى متضادة ، فإذا جميع الأدوية مركّبة من قوى متضادة ، بل يجب أن تفهم من ذلك أنهم يعنون أنه بالفعل ذو قوى متضادة ، أو بقوة قريبة من الفعل لأن فيه أجزاء مختلفة لم يفعل بعضها في بعض فعلًا تام يجعل الكل متشابه القوة تشابهاً تاماً ، ولا تلازمت واتحدت حتى إذا حصل بعضها في جزء عضو لزم أن يحصل الآخر معه ، لأنه إن كانت متشابهة القوّة لم يختلف فعلها في البدن البتّة ، وإن كانت متلازمة الأجزاء ومختلفة القوى ، جاز أن لا يختلف أيضاً تأثيرها في البدن ، بل كان إذا حصل جزء من بسيط في عضو وافقه ما يلازمه من البسيط الآخر ، فحصل منهما الفعل والأثر الذي يؤدي إليه فعلاهما في جميع أجزاء ذلك العضو على السواء ، إذ كل واحد من أجزائه معه عائق عن تمام فعله متمكن منه ، اللهم إلا أن يكون جزء وعضو قابلًا عن أحد البسطين دون الآخر . والطبيعة تستعمل أحدهما وترفض الآخر ، فقد يكون هذا كثيراً وليس كلامنا في هذا ، بل هو في الصنف الذي هو مختلف التأثير لأمر في نفسه ، لا لأمر في غيره ، وذلك الأمر هو أن بسائطه امتزاجها واهٍ بحيث يقبل التمييز بتأثّر حرارتها ، فالأدوية المفردة التي نذكر أن لها قوى متضادة من هذه التي ليس فيها ذلك الامتزاج الكلي . فمن هذه ما هو أقوى امتزاجاً ، فلا يقدر الطبخ والغسل على التفريق بين قواها ، مثل البابونج الذي فيه قوة محللة وقوة قابضة ، وإذا طبخ في الضمادات لم تفارقه القوتان . ومنها ما يقدر الطبخ على التفريق بينهما ، مثل الكرنب ، فإن جوهره ممتزج من مادة أرضية